المقداد السيوري
536
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
وكان يروي واقعة الطفّ كما حدثت ، فإنّه كان يتولّى خدمة الإمام عليه السّلام من المدينة إلى مكة وإلى أن استشهد الإمام عليه السّلام وفرّ على فرس إلى الكوفة ، فأخذه أهل الكوفة ثمّ أطلقوه ، وكان عارفا بأخبار الواقعة ومنه أخذت أخبارها ، وعلى قوله يعتمد في نقل حوادثها ، ولعلّ عدم استشهاده بين يدي الإمام عليه السّلام كان لمصلحة بقائه حتّى ينقل واقع الأمر فيما قاله الإمام ، قال الطبري : قال أبو مخنف : فأمّا عبد الرحمن بن جندب فحدّثني عن عقبة بن سمعان قال : صحبت حسينا عليه السّلام فخرجت معه من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى العراق ، ولم أفارقه حتّى قتل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلّا وقد سمعتها ، ألا واللّه ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ، وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس « 1 » . انظر إلى قول عقبة بن سمعان هذا وتأمّل بدقّة نقله وتأكيده أنّه لم يسمع من الإمام عليه السّلام ما يتذاكر الناس وما يزعمون . يظهر من عبارته هذه أنّ ما نسبوه إلى الإمام عليه السّلام أنّه قال : اختاروا منّي خصالا ثلاثا الخ . . . ممّا لا أصل له ، وأنّه خلاف الواقع ، وأنّه من دعايات بني أمية وأكاذيب أتباعهم وأشاعها ابن زياد وأشياعه ، وهم تداولوه في ألسن الناس وأفواههم ، ومن الأفواه أخذه المحدّثون من دون تحقيق وتمحيص ، فإنّ دأبهم في الأغلب هو الأخذ من الأفواه ثمّ الثبت في التاريخ من دون علم بواقع الأمر وحقيقته ومن غير تحقيق عن صحّته وسقمه . وقد تحقّق عندي وثبت واضحا جليا بعد البحث والتنقيب وإمعان النظر الدقيق بحيث لا يشوبه شيء من الدجل ، أنّ ما نقله أبو مخنف عن جماعة من المحدّثين وضبطه في تاريخه ، ومنه أخذ الطبري ونسبه إلى الإمام عليه السّلام : اختاروا منّي خصالا الخ . . . من الأفائك والمفتريات ، وأيقنت بأنّه من الأكاذيب والخزعبلات ، وقد أخذه عن الأفواه
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ، ج 4 ، ص 313 .